هشام جعيط

196

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

حماية الأسواق حول مكة وفي الحرم نفسه ، ولعلها انتسبت إلى الحمس « 1 » عن طريق بعض عشائرها . وبما أن كلبا كانت متحالفة مع تميم ، فقد انضمت إلى سلسلة التحالفات القرشية الخاصة بالتجارة الكبرى « 2 » ويبدو جيدا أن خثعما وطيا وحدهما لم تعترفا بقدسية الحرم في شبه الجزيرة ، باستثناء اليمن الذي بقي عالما منفردا « 3 » . وهكذا كانت علائق التبادل والتحالف والحماية بين قريش وعالم الرحل ، تمتد إلى ما وراء الحجاز ذاته . لم تكن العلائق القائمة بين المدن والقبائل علائق قوة ولا حتى هيمنة ، بالمعنى الواسع . لكن فيما يخص الحيرة ربما كان لقبائل الرحل شعور بالسيطرة كما يرى كيستر « 4 » . لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لمكة حيث يمكن في رأيي الحديث عن نفوذ أدبي على أقصى تقدير . لكن هذا النفوذ الأدبي عرف كيف يستند إلى قدرة عسكرية قابلة للحشد . وعند قدوم وقت القتال - وهو أمر استجد بالنسبة لشبه الجزيرة تأييدا للرسول أو ضده في البداية ، ثم لفرض نظام الدولة على بلاد العرب كلها - فإن العنف المنظم كان مصدره المدن ، لا كإفراز عفوي ، بل بمفعول إرادة عليّة . لقد استندت القوة الضاربة للرسول نفسه إلى التلاحم القائم بين العالم القبلي والنواة الحضرية « 5 » ، وكما وقع في الماضي القريب زمن التلاحم بخصوص الحيرة والغساسنة . وهكذا تحافظ المدينة على قدرتها التنظيمية المحركة لمادة الرحل وتؤسس هذه القدرة على الوحدة الواقعية والكامنة لعالم بلاد العرب ؛ إنها وحدة موضوعية قامت على اللغة والقيم والدين - دين العرب « 6 » . وهي الوحدة التي وقع الإصرار على التكتل بها ولو بصورة غير كاملة ، غير التلاحم القائم بين المدن والقبائل . إنّما لا يجب أن ينسينا هذا التلاحم الانفصام الأساسي لنمط العيش ، حيث أن المدينة تظهرل في آن كمكسب للإنسان ، وكناقل للعالم الخارجي التاريخي . والأمر الجديد أن هذا الانفصال كان الشعور به في الماضي البعيد بمثابة التعارض الذي لا يمكن التغلب عليه ، وأنه جرى التخفيف منه خلال فترة ما قبل ظهور الإسلام مباشرة ، بفضل المدن الجديدة بالحجاز .

--> ( 1 ) Ibid . , p . 141 ، اعتمد كيستر المحبر لابن حبيب . إلا أننا لا نجد في أي مرجع آخر ، لا في السيرة ، ص 127 - ولا عند ابن سعد ، الطبقات ج 1 ، ص 72 ، ولا في كتاب البلدان للجاحظ ، أو تحقيق العلي ص 467 ، ذكرا لعشائر تميم في أهل الحمس . ( 2 ) Kister , op . cit . , p . 128 . ( 3 ) الجاحظ ، كتاب الحيوان ، ج 7 ، ص 216 - 218 . وقد أضاف عشائر قضاعة . ( 4 ) Kister , op . cit . , pp . 115 - 116 ( 5 ) رأي عبر عنه بوضوح ابن إسحاق في وصفه لجيش الرسول في وقعة الحديبية : « المهاجرون والأنصار ومن لحق بهم من العرب » : السيرة ص 740 ؛ . M . Watt , Mahomet a ? Me ? dine , pp . 102 - 103 إن القبائل التي التحقت حقا بصف الرسول قبل مد الرحل الكبير ، كانت جهينة ومزينة وغفار وأسلم وخزاعة . ( 6 ) Kister , « Some reports concerning Mecca » , Studies , p . 68 ; Von Grunebaum , art . cit . , p . 15